الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
25
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
هل في وسع العقول وملكوتها أن تسنّ لنا الشرائع والنواميس التي تتكفّل بصالح شؤوننا في : الحاضرة والآخرة ، في الآداب والأخلاق ، في الاكتساب والاقتصاد ، في الحدود والمجازاة ، في القصاص والديات ، في المعاملات والحيويات من المطاعم والمشارب وتمييز النافع منها والضارّ والمؤثّر منها في سوء الأخلاق وفساد الطباع ، أو الأمراض المزمنة والآلام الموبئة ولو بعد حين ، وما لا يؤثّر شيئاً من ذلك ؟ هب أنّ ندوة الشورى جمعت لك عقلاء العالم لهذه الغاية من سنّ القوانين وتشريع الشرائع ، ولكن من لك بأن يتّفقوا ؟ ! وإن اتّفقوا فمن لك بأن يصيبوا ؟ ! وإن أصابوا فمن لك بالثقة بإصابتهم حتّى تطمئن القلوب وتسكن النفوس وتتمشّى تلك الشرائع في الناس رغبة واختياراً لا إكراهاً وإجباراً وقسراً وقهراً ؟ ! على أنّ دون وقوع كلّ واحدة من هذه الفروض بل دون إمكانها لعقبات كؤود « 1 » ومهامه « 2 » سود ، لا يخترقها الوهم ولا يطرقها الخيال ولا يأتي عليها وميض الخطرات . أيّ عقل يخترق بنوره غيابة المستقبل الحالك ومغبّة هذا الكون المدلهم الذي كأنّما هو ذلك البحر اللجيّ الذي : « يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » « 3 » ؟ ! أيّ نافذ فكر يستطيع اقتحام ظلمات الغد ليجعل لأُمم المستقبل شرعة ومنهاجاً ، يضع لها مشروعاً يلائم طباعها ويناسب أذواقها ويوافق مقتضيات
--> ( 1 ) عقبة كؤود : شاقّة المصعد صعبة المرتقى . ( تاج العروس 9 : 89 ) . ( 2 ) المهمهة : المفازة البعيدة ، والبلد المُقفِر . ( القاموس المحيط 4 : 294 ) . ( 3 ) سورة النور 24 : 40 .